خليل الصفدي
3
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ما راح طاير كل حىّ وهو على حياض المنون حائم ، وأشبهت الحياة وان طال امدها حلم نائم ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وبعد فلما كانت هذه الامّة المرحومة ، والملّة التي أمست اخبارها بمسك الظلام على كافور الصباح مرقومة ، خير امّة أخرجت للناس ، واشرف ملّة أبطل فضلها المنصوص من غيرها قواعد القياس ، علماؤها كأنبياء بني إسرائيل ، وامراؤها كملوك فارس في التنويه والتنويل ، وفضلاؤها آربوا على حكماء الهند واليونان في التعليم والتعليل ، كم فيهم من فرد جمع المفاخر ، وكاثرت مناقبه البحور الزواخر ، وغدا في الأوائل وهو امام فات سوابق الأواخر « 1 » إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتئمات لا يرى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع * لذي اربة في القول جدّا ولا هزلا وكم اتى فيهم من كحلت مراود رماحه عيون النجوم ، وتوقّل حصونا لم يكن للكواكب فيها ولوج ولا لطيف العدى هجوم ، وضمّ عسكره المجرور كل فتح أصبح العدوّ به وهو مجزوم من كل من ضاق الفضاء بجيشه * حتى ثوى فحواه لحد ضيّق إلى غير ذلك ممن شارك الأوائل في العلوم الدقيقة ، واتخذ إليها مجازا ادّاه فيها إلى الحقيقة ، واستنتج من مقدّماتهم بنات فكر لم يرض جواهرهم لها عقيقة جمع المؤرّخون رحمهم اللّه تعالى اخبار تلك الأحبار ونظموا سلوك تلك الملوك واحرزوا عقود تلك العقول ، وصانوا فصوص تلك الفصول ، فوقفت
--> ( 1 ) ( في الهامش ) من خطه : الأبيات لحسان بن ثابت . وفي ديوانه المكتوب بالخط في مكتبة كوبريلى نمرته 1256 ورقة 102 وقال حسان يمدح عبد اللّه بن عباس إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع * لذي اربة في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة * فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا ( م )